الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

442

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقد حصل من شق صدره الكريم إكرامه - صلى اللّه عليه وسلم - بتحقيق ما أوتى من الصبر ، فهو من جنس ما أكرم به إسماعيل الذبيح بتحقيق صبره على مقدمات الذبح شدّا وكتفا وتلّا للجبين ، وإهواء بالمدية إلى المنحر فقال : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ « 1 » ، ووفى بما وعد اللّه ، فأكرمه اللّه بالثناء على صبره إلى الأبد . ولا مرية أن الذي حصل من صبر نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - على شق الصدر أشق وأجل ، لأن تلك مقدمات وهذه نتيجة ، وتلك معاريض وهذه حقيقة ، والمنحر مقتل وما أصابه من إسماعيل إلا صورة القتل لا فعله ، وشق صدر نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - واستخراج قلبه ثم شقه ثم كذا ثم كذا مقاتل عديدة وقعت كلها ، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة ، فهذا الابتلاء أعظم من ابتلاء الذبيح بما ذكر . فإن قلت : إنما يتحقق الصبر لو كان هناك مشقة ، فلعل العادة لما انخرقت في إبقاء الحياة انخرقت في رفع المشاق وحمل الآلام . أجيب : بأنه ورد في حديث شق صدره : فأقبل وهو منتقع اللون أو ممتقع اللون ، بالميم بدل النون ، وهو يدل على أن الصبر على مشقة المعاجلة المذكورة محقق . قال القاضي عياض : وأصل « انتقع » صار كلون النقع ، والنقع الغبار ، وهو شبيه بلون الأموات ، وهذا يدل على غاية المشقة . وأما قول ابن الجوزي : فشقه وما شق عليه ، فيحمل على أنه صبر صبر من لا يشق عليه . انتهى . وكذلك الابتلاء أيضا من حيث السن ، فإن ذلك وقع لنبينا - صلى اللّه عليه وسلم - بعيد ما فطم ، وأيضا : فإنه كان منفردا عن أمه ويتيما من أبيه ، واختطف من بين الأطفال ، وفعل به ما فعل من الأفعال تسهيلا لما يلقاه في المال ، وتعظيما لما يناله على الصبر من الثواب والثناء ، ولهذا لما شج وجرح وكسرت رباعيته

--> ( 1 ) سورة الصافات : 102 .